ابن بطوطة

52

رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )

وذكر لي من أثق به أنّ السلطان أبا سعيد ملك العراق قدم خراسان مرة ونزل على هذه المدينة وبها زاوية الشيخ ، فأضافه ضيافة عظيمة وأعطى لكل خباء بمحلته رأس غنم ، ولكل أربعة رجال رأس غنم ، ولكل دابة بالمحلة من فرس وبغل وحمار علف ليلة فلم يبق في المحلة حيوان إلا وصلته ضيافة . حكاية الشيخ شهاب الدين الذي تنسب إليه مدينة الجام يذكر أنه كان صاحب راحة مكثرا من الشّرب ، وكان له من الندماء نحو ستين وكانت لهم عادة أن يجتمعوا يوما في منزل كل واحد منهم فتدور النّوبة على أحدهم بعد شهرين ، وبقوا على ذلك مدة ، ثم إنّ النوبة وصلت يوما إلى الشيخ شهاب الدين فعقد التوبة ليلة النوبة ، وعزم على إصلاح حاله مع ربّه ، وقال في نفسه : إن قلت لأصحابي إني قد تبت قبل اجتماعهم عندي ظنوا ذلك عجزا عن مؤنتهم ، فأحضر ما كان يحضر مثله قبل من مأكول ومشروب ، وجعل الخمر في الزقاق ، وحضر أصحابه فلما أرادوا الشرب فتحوا زقّا فذاقه أحدهم فوجده حلوا ، ثم فتحوا ثانيا فوجدوه كذلك ، ثم ثالثا فوجدوه كذلك ، فكلّموا الشيخ في ذلك فخرج لهم عن حقيقة أمره ، وصدقهم سنّ بكره « 117 » ، وعرفهم بتوبته ، وقال لهم : والله ما هذا إلا الشّراب الذي كنتم تشربونه في ما تقدم ! وتابوا جميعا إلى الله تعالى ، وبنوا تلك الزاوية وانقطعوا بها لعبادة الله تعالى ، وظهر لهذا الشيخ كثير من الكرامات والمكاشفات . ثم سافرنا من الجام إلى مدينة طوس « 118 » وهي من أكبر بلاد خراسان وأعظمها ، بلد الإمام الشهير أبي حامد الغزالي « 119 » رضي الله عنه ، وبها قبره ، ورحلنا منها إلى مدينة مشهد الرضا « 120 » وهو علي بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي

--> ( 117 ) هذا تعبير جرى مجرى المثل : كشف لهم سنّ بكره أي جمله ، البكر : الفتيّ من الإبل . . . صدقهم اللّه حول ما فعل ، وفي نسخة : سرّ فكره ، وفي أخرى بما في فكره لكن النسخة الأصلية التي اعتمدنا عليه تذكر ما قلناه : كشف لهم سنّ بكره ! ( 118 ) طوس : مدينة تقع على بضعة أميال شمال مشهد الحالية ، مدينة اجتيحت من قبل جنكيز عام 617 - 1220 ، وأعيد بناؤها من لدن الأمير قيراط أرغون ، ظلت كإقطاعية للمنحدرين منه الذين كوّنوا امارة لهم ( 755 - 759 - 1354 - 1358 ) ، وبقيت تحت هيمنة هؤلاء إلى وصول تيمور ، وقد قام هذا بتحطيم طوس نهائيا ولم يعد في إمكانها أن تسترجع سحنتها وقد عوضت بمدينة مشهد انظر التعليق 101 . ( 119 ) يعتبر الامام الغزالي من أشهر رجال الفكر الإسلامي في العصر الوسيط وقد ولد وتوفي في طوس 450 - 504 - 1058 - 1111 كان أستاذا للمدرسة النظامية في بغداد . . . وقد اختفى قبره اليوم في طوس . ( 120 ) ( مشهد ) الحالية القرية القديمة التي كانت تحمل اسم سناباد حيث دفن الإمام الرضى 203 - 818 على ما يأتي .